سموه كل شيء الا دفاعا عن الفكر والعمل القومي التقدمي...

 فتحي بالحاج 

     

   مرة  أخرى أضطر للتعليق على هذا السجال  السياسي الذي كنت ولازلت أعتبره اعتباطي وهو يعبر عن حجم المأساة التي وصل إليها العمل القومي وكيف تحول التفكير الطفولي سيد الموقف..هل هناك أكثر طفولية من أن نعتبر سجالا سياسيا قابل للحوار والنقاش ومحل صحة وخطأ.. قد يصيب فيه المرء وقد يخطأ.."نور الله"..يتألم المرء وهو يتابع هذه "الغزوات" ومعارك الكر والفر.. ويسمع بيانات التهديد والوعيد..وأن هناك من هو على أهبة الاستعداد للعودة لغزوة ثانية..إنه أمر يدعو للرثاء والحزن والألم ..في وعيدهم وهيجانهم هذا .. يبدو أن البعض لهم فائض من الشجاعة لكنها شجاعة في نهش الجسد وشجاعة في اتهام الآخرين..من كانوا رفاق طريق...وهم في هياجانهم لا نعرف من يقصدون لماذا لا يكونون بمثل هذا القطع والوضوح مع الواقع الذين  يدعون مواجهته ففي تحاليلهم في كتاباتهم يفتقدون هذه الشجاعة..عندما يتعلق الأمر بمواجهة الواقع السياسي تجد نقدهم تمتمات وتحاليلهم إشارات تجهد نفسك في البحث ما وراء السطور وفي معرفة من يقصدون  وكلامهم يفتقد إلى التعريف فحديثهم يصدق على زمبابوي كما يصدق على أحدى الدول في أمريكا اللاتينية.. ومع هذا يصرون على رجم الآخرين...         

 وتفنن آخرون في الهروب لرجم القوميين أكثر واختاروا أن يراسلوا عبد الناصر رحمة الله عليه.. بصراحة إنه أول مرة أسمع برسائل موجهة للموتى حتى وإن كانوا شهداء. فالرسائل توجه للأحياء وحدهم أما الموتى فعليهم رحمة الله وغفرانه... نطلب لهم  جميعا  الثواب في كل ما اجتهدوا فيه.. وحاولت أن أعرف القيمة المعرفية والحركية للرسالة الثانية التي أرسلت عبر صحيفة الوطن إلى عبد الناصر..وقد كنت قرأت الرسالة الأولى في السنة الماضية في مثل هذه الفترة وخلافا ما حاول أن يوهمنا كاتب الرسالة الثانية  فان هذه الرسالة الجديدة لا تختلف كثيرا  عن رسالة السنة الماضية, في جوهرها وفي شكلها: توصيف للواقع القومي بكل تورماته..وبعملية سلخ مجانية للقوميين.. طبعا ماعدا صاحب الرسالة لأنه تبوأ دور الشيخ دون أن يلتزم ضوابط وقار الشيوخ لقد أبدع في سلخ القوميين دون الدخول في جوهر الموضوع الذي يقول أخونا مسيليني أنه يدافع  عنه وهو "الحوار القومي" ولا حتى ملامسة القضية ووضع معالم طريق يخرج القوميين من النفق ومن حالات الهستيريا التي تنتاب البعض منا ويتوهم بعض "القوميين الطفوليين"  أنهم يضيفون شيئا للعمل القومي بالتعبير عن تقلباتهم النفسية.. نسوق بعض التعابير التي استعملت في الرسالة الآنفة الذكر : "الصلاة مع علي  والأكل مع معاوية"  "حلقات التلقين الفكري والشحن العاطفي" "مؤتمرات هي أقرب الى السياحة"  "تتضخم فيها الذوات الزعامتية" "مذهب المرجئة" "حبل الكذب قصير"..الى آخر تلك المصطلحات التي أتعب أخونا مسيليني نفسه في تجميعها وترصيفها.. ولست أدري هل تدخل عملية سلخ القوميين وسبهم وشتمهم وتحقيرهم في سياق إشعال الشمعة أم في إطار إطفاءها ولم نعد نفهم هل كل هذا ضروري للحوار القومي الموعود أم أنها إبداع جديد في فن إدارة الحوار بين القوميين..هذا الحوار القومي الذي سمعنا به منذ قرابة السنة ولم نر له بعد أبوابا تمكننا من الولوج إليه..أم أنها طريقة ذكية لسحب الدعوة ..من خلال قراءاتنا ومتابعتنا لتاريخ الحراك السياسي العربي  اطلعنا على مثل هذا الجنون السياسي والثورجية المغرقة في مجانبة الواقع والتي أدت إلى عملية انتحار سياسي للعديد من الأجسام المشوهة بالرغم من الغلاف الثوري والتقدمي الذي تدثرت به, ويبدو أن البعض من "الأخوة القوميين" يريدون أن يكون ورثة بعض التيارات اليسارية الماركسية التي اندثرت من الساحة.. إننا نحترم شطحات البعض وحالة الهوس لدى البعض الآخر لكن مصدر القلق والألم أن هذا يتم  باسم الدفاع عن الفكر والعمل القومي التقدمي..في فترة يواجه فيها العمل القومي العربي عموما حملة محاصرة خطيرة...وتترصد القوى المعادية مثل هذه الحالات المرضية للامعان في تشويه الفكر القومي التقدمي.. على الرغم من هذا فانه يبقى لنا الحوار القومي مشكلة وجود بالنسبة للقوميين في تونس. فهل من سبيل للارتقاء والابتعاد على هذه الأساليب المبتذلة والبدء الجاد في البحث في مضامين الحوار القومي وفي آلية التنفيذ.. إن صدقت النوايا...

 

 موضوعات سابقة